الخروف.. الخروف مهما كانت الظروف : بقلم حاتم الكسيبي

اغنام

اغنام

ككل عيد اضحى مبارك، تنطلق الألسن المشككة في شعيرة الأضحية و المتباكية على جيب الزوالي و المواطن الذي تكاد تعصف به الظروف الاقتصادية فترديه فقيرا أو مسكينا بين فينة و أخرى. وتنطلق أخرى منتصرة للرفق بالحيوان و كأن ذبح الخرفان و البقر وغيرها من الأنعام منحصر على ثقافتنا العربية الاسلامية والحال أننا و باقي المسلمين لا نمثل نسبة تذكر في استهلاك اللحوم في العالم طوال السنة.
يقابل هذه الرقصات الإعلامية و التغريدات الغريبة إصرار لا يكاد يصدّق من عموم المواطنين على اقتناء كبش العيد أو خروفه أو معزه أو بقره والتي تعتبر فرصة لإحياء سنة إبراهيم عليه السلام و ابنه إسماعيل الذبيح و امتثالا لسنّة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عند المقدرة و لفرحة تشاع بين الناس تترجمها الابتسامة التي تنتشر ساعة تبادل التهاني و المعايدة وعلى وجوه الأطفال الذين ينتظرون الحدث بفارغ الصبر لما تتيح لهم هذه المناسبة من غبطة و رفاهة.
نفس النخبة لا تتحرج من الاحتفال بأعياد الأقوام الأخرى بل تزيدها رونقا بتزيين واجهات المحلات و تبادل التهاني بمناسبة رأس الميلاد و لا تأسف على فراغ جيب المواطن في فترة التصييف و الأعراس التي أضحت بُعبعا لكل مقدم على الزواج. نفس النخبة تدفعه الى الاحتفاء بأعياد رمزية أخرى ربما تكون غير مكلفة ولكنها غريبة عن هويتنا الأصيلة التي تميزنا بين غيرنا من بني البشر، هنا نذكر أعياد سان فلانتين و الميلاد و ليلة رأس السنة والفصح وغيرها من الأعياد المستقدمة التي تلقى رواجا بيننا ولكنها لا تعوض بأي حال من الأحوال أعيادنا في الواقع المعاش.
لقد مرّت فترات أحلك مما يعيش الاقتصاد التونسي والعربي والعالمي ولم تنقطع شعيرة الأضحية المرتبطة بالحج الركن الخامس من قواعد الإسلام الذي يدين به مجمل أهل البلد بصريح نص دستور عهد الأمان و الدستورين القديم والجديد للجمهورية التونسية. خلال هذه القرون التي مضت لم تنقرض الماشية لفرط ذبحها بل توالدت ككل عام وقد جعل الله لنا فيها رزقا كغيرنا من سكان المعمورة اذ يجمع الناس على أكل اللحوم بأنواعها و الخضر والغلال والبقول والأسماك. هكذا اهتدى الإنسان الى قوته كي يبقى حيّا على وجه البسيطة وهكذا نحن نقلد أجداد أجدادنا وآبائنا منذ أغبر الأزمان.
ختاما ألا يحتاج هذا المواطن الذي يحتسب الأضحية شعيرة دينية تحقق له الاستقرار الروحي و تفرد له أيام فرح تنسيه لبعض الوقت همومه الاعتيادية: فقر، خصاصة، كراء، فواتير الضوء والماء، لوازم المدرسة، القروض و الديون المتخلدة،… سواء كان مضحيا أو مستفيدا من لحوم الأضاحي الذي توزع كصدقات على المحتاجين. لا تجرؤ نخب الدول “الحداثية” أن تنتقد خنق الدندون أيام أعياد الميلاد و لا تجرؤ النخبة الأسيوية أن تتهكم على شعائر البوذية والهندوسية بل يحترمون معتقدات شعوبهم ولو كان لديهم يقينا مؤكدا ببطلان عقائدهم. ولكن التشكيك الذي ينتشر بين ظهرانينا استهزاء بشعيرة الأضحية قد جاوز الحد وأضحى مدعاة للتفكير بجدية في مأتى التشكيك و دوافعه ان كانت سياسية داخلية ام خارجية تأتمر بأمر المنظمات الدولية المشبوهة التي تزدري ديننا وتقاليدنا و هويتنا لمجرد الاستهزاء ولشعور بالكبرياء ولحقد دفين توارثته عبر الأزمان.

بقلم حاتم الكسيبي

تعليقات الفيسبوك