صفاقس والعودة المدرسية.. قصة عشق : بقلم حاتم الكسيبي

اختبارات السنوات السادسة - السيزيام - مناظرة الالتحاق بالمدارس الاعدادية النموذجية

اختبارات السنوات السادسة – السيزيام – مناظرة الالتحاق بالمدارس الاعدادية النموذجية

ابتهجنا كما ابتهج أبناؤنا بدنوّ العودة المدرسية والحركية المصاحبة لها اذ يمثّل التمدرس في صفاقس و في الجمهورية وسائر أصقاع العالم مدعاة للتحصيل العلمي والتفوق و بناء الشخصية الوطنية ونمو المعارف والصناعات و المناحي الاجتماعية والثقافية على المدى البعيد و المتوسط و يمثّل أيضا على المدى القصير دورة تجارية تشغّل فيما تشغّل المكتبات و حوانيت النسخ و الدكاكين المنتشرة حذو المؤسسات التعليمية و تحرّك أسطول النقل ليبلغ أقصى مداه أضف إلى ذلك ما فرضته الحداثة من لمج صباحية ومسائية و مقاهي شبابية ونوادي إعلامية وغيرها من الأكشاك التي تلتقط رزقا كان ولا زال جد مرتبط بالدراسة والدارسين والمدرسين.

ولصفاقس قصة مشرقة مع المدرسة والمعهد منذ عهود بعيدة إذ عرف أهلها بارتباطهم الوثيق بطلب العلم رغم وفرة الصنائع و إتقان أهلها لها و رغم امتداد غابات الزياتين واللوز و بقية المزروعات. صفاقس أرض العطش كما كانوا يسمونها علّمت الناس أنّ خيرات الأرض يستلزم استخراجها الدراية والعلم والمثابرة والصبر ولعل المدرسة هي الملاذ الوحيد الذي تتوفر فيه هاته الصفات. التاريخ ينصف بصفة أقلّ التعليم الزيتوني داخل الزوايا ومساجد الجهة إذ كانت تتجه نخبة لا بأس بها من الميسورين نسبيا ليكونوا القضاة والعدول والمعلمون و الأساتذة. ولكن الماضي القريب يدفعنا لنتذكر كيف كان يواكب الأب الأمي دراسة ابنه إذ يبذل الغالي والنفيس في سبيل الحصول على كتاب و كراس وبضعة أقلام و محبرة وكيف كان المدرسون الأفاضل يوفرون من مالهم الخاص قلما و كراسا للمعوز و عناية بذوي الاحتياجات الخصوصية و تفهما للأولياء إذا صادفت الفرصة وسألوا عن أبنائهم مرددين “حاسبني بالجلد” فيبتسم المعلم المقتدر ليردد أن حب العلم و الخوف من العصا لا يجتمعان في جوف تلميذ سوي. هنالك سطعت شموس في عالم المعرفة فكانت نجاحات أدبية و فنية و تكنولوجية.

اليوم نشهد تسارع نسق العودة: كتب مقررة و كتب موازية و كراريس بمختلف الأحجام و الألوان و الأقيسة بعضها مدعّم وبعضها يباع بأغلى الأسعار و أقلام محلية أخرى مستوردة و أوراق و أغلفة و محفظات بمختلف الأسعار كل يشتري حسب رغبات أبنائه و رغبته فينظر تارة إلى جيبه وينظر تارة أخرى إلى وجه ذاك الملاك الصغير المقبل على العودة فتغبطه الفرحة المرسومة على محيّاه لتنطلق تضحيات أخرى يقدمها الأولياء دون حسابات ولا تردد هامسين “يحلّها ربي..”.

المسكين قد ودّع العيد منذ أيام بعد أن تقرب بقربان حنيذ الى ربّه طالبا العفو والمغفرة والصحة و النجاح لفلذات أكباده و هو أيضا قد أتمّ موسم الصيف الذي تكثر حركته و أعراسه فينعم الناس بالبحر و البر و يعيش طالبي المعرفة ترويحة نفسية تريحهم من عناء امتحانات أخر السنة الماضية المكللة بالنجاح وتبعث فيهم شوقا جديدا إلى مدرستهم و معلميهم ليزدردوا علوما ومعرفة و أدبا و ثقافة. هنا يعسر الحال و ينخرم الوضع الاقتصادي للعائلة فعيش الولي سجالا داخليا بين مصاريف المحفظة المدرسية الباهظة و الجيب الذي لم يتبق فيه سوى أوراقا نقدية زهيدة العدد والعدّة. ما تراه يفعل ب”خير الدين” و “أبو القاسم” و “حنبعل” دون “ابن رشيق”: طلبات مشطة: خمس كراريس باللولب من فئة 150 صفحة و أقلام ملونة من نوع كذا و أغلفة يستحسن أن تكون لمّاعة و ألوان مائية من صنف كذا و لوحة دون طباشير بل مزدانة بقلم لبدي سرعان ما يشحّ حبره وغيرها من الأغراض. رفقا سادتنا المعلمين والأساتذة بأبنائنا و جيوب أوليائهم فإنّهم مستعدون لتوفير ما تطلبون ولكن بأي ثمن ؟

بقلم حاتم الكسيبي

تعليقات الفيسبوك