قضية المساواة في الميراث وزواج المسلمة بغير المسلم : خطبة الجمعة 18 أوت 2017 للشيخ علي غربال

الامام الخطيب و الاستاذ الجامعي علي غربال

الامام الخطيب و الاستاذ الجامعي علي غربال

خطبة الجمعة 18 أوت 2017
قضية المساواة في الميراث وزواج المسلمة بغير المسلم
الشيخ علي غربال
جامع عمر بن الخطاب – العمران – تونس

الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي لا شَأْن يَشْغَلُهُ، وَلا نِسْيَان يُذْهِلُهُ، وَلا واصل لمن قطعه ولاقَاطِع لِمَنْ يَصِلُهُ، وَلا خاذل لمن نصره ولا نَاصِر لِمَنْ يَخْذُلُهُ، جَلَّ ربي عَنْ نِدٍّ يُشَاكِلُهُ، وعن ضد ٍ يُقَابِلُهُ، يُثِيبُ بِالْعَمَلِ الْقَلِيلِ وَيَقْبَلُهُ، وَيَحْلُمُ عَنِ الْعَاصِي فَلا يُعَاجِلُهُ، وَيَدَّعِي الْكَافِرُ شَرِيكًا وَيُمْهِلُهُ، ثُمَّ إِذَا بَطَشَ هَلَكَ كِسْرَى وَصَوَاهِلُهُ، وَذَهَبَ قَيْصَرُ وَمَعَاقِلُهُ، قد اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَمَا الْعَرْشُ يَحْمِلُهُ، هَذا جُمْلَةُ اعْتِقَادِنَا وَهَذَا حَاصِلُهُ، مَذْهَبُنَا مَذْهَبُ مالِكٍ وَمَنْ كَانَ يُطَاوِلُهُ، وَطَرِيقُنَا طَرِيقُ الزيتونة وَقَدْ عُلِمَتْ فَضَائِلُهُ، وَنَرْفُضُ قَوْلَ المتطرف وقول الملحد وَقَدْ عُرِفَ بَاطِلُهُ، أَحْمَدُهُ حَمْدًا أُدِيمُهُ وَأُوصِلُهُ، وأستعين به وأستهديه وأسأله العفو والمغفرة فهو الذي لا يُردُّ سائلُه، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ الَّذِي ارْتَجَّتْ لَيْلَةَ وِلادَتِهِ أَعَالِي الإِيوَانِ وَأَسَافِلُهُ، وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ ثَانِيَ اثْنَيْنِ فَاعْرِفُوا مَنْ قَائِلُهُ، وَعَلَى عُمَرَ الَّذِي صَفَا الإِسْلامُ بِجِدِّهِ وَعَذُبَتْ مَنَاهِلُهُ، وَعَلَى عُثْمَانَ الَّذِي زَارَتْهُ الشَّهَادَةُ وَمَا تَعِبَتْ رَوَاحِلُهُ، وَعَلَى عَلِيٍّ بَحْرِ الْعُلُومِ فَمَا يُدْرَكُ سَاحِلُهُ.
أما بعد، أيها الأحبة المؤمنون، أوصي نفسي وأوصيكم بتقوى الله العظيم، والسير على هدي رسوله الكريم، والاتزام بما جاء في آي الذكر الحكيم، يقول الله عز وجل في كتابه العزيز: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾
ويقول عز وجل ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾
أيها الناس، إن الله تعالى لم يخلقنا في هذه الدنيا لنترك سدى، بلا تكاليف ولا مسؤولية في الآخرة، ولا لم يخلقنا ليتركنا كالإبل التي ترعى بلا راع، وإنما خلقنا الله عز وجل وكلفنا بأمر عظيم، كلفنا بعبادته وطاعته عز وجل، فأرسل إلينا الأنبياء ليعلمونا طريق النجاة في الآخرة، وأنزل علينا كتبا آخرها وأجودها وأعظمها القرآن الكريم، الذي جعله الله دستورا للمسلمين إلى يوم القيامة، وجعل فيه وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم الأحكام التي فيها تصلح بها دنيا الناس وآخرتهم.
ومن جملة الأحكام التي أنزلها الله في كتابه وبينها في غاية من الدقة ومن التفصيل ومن التوازن ومن التناسق ومن العدالة ومن الواقعية ومن الشمولية ومن الربانية أحكام المواريث التي جاءت في سورة النساء في قوله تعالى ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ -الآية-
والتي قال الله في سياقها ﴿فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾
والتي قال الله في سياقها ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾
والتي قال الله في آخرها ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِين﴾

فقد تكفل سبحانه بقسمة المواريث في هذه الآيات ولم يوكلها إلى نبيه صلى الله عليه وسلم ولا للعلماء والمجتهدين، وما ذلك إلا لعظيم أمر المواريث، حتى أننا لا نجد في القرءان آية تقول إن صلاة الظهر أربع ركعات وأن صلاة العصر أربع ركعات وأن صلاة المغرب ثلاث ركعات، مع أن أمر الصلاة أمر مهم، لكن أحكامها لم ترد بالتفصيل في القرءان، بخلاف قضية المواريث، وما ذاك إلا لعظم أمر هذه القضية، حتى قال الإمام القرطبي في تفسيره تعليقا على هذه الآيات: “وكل ما كتبه العلماء في القديم والحديث، وكل ما ألفوه في علم المواريث، فإنما هو بيان وتوضيح لهذه الآيات الكريمة، التي جمعت فأوعت، وقسمت فعدلت، وأحكمت التشريع، وفصلت التوزيع، وأبانت لكل ذي حق حقه، دون محاباة أو مراءاة” .
فقد تكفل سبحانه بقسمة المواريث في هذه الآيات بهذا التدقيق، لأن الله الذي علم كل شيء في الأزل يعلم أن البشر يصعب عليهم التصرف في هذا الأمر على هذا الوجه، لذلك عجزت كثير من الأحكام الوضعية التي وضعت قبل نزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده عن إحكام هذه القضية. فأعطى الله كما قال رسوله صلى الله عليه وسلم ((إن الله أعطى لكل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث)).
ومن غير أن ندخل في تفاصيل هذه الأحكام، وفي تفاصيل أن المرأة ترث أقل من الرجل في أربع حالات وأنها ترث مثل الرجل أو أكثر منه في أكثر من ثلاثين حالة، لأن أغلب هذه الحالات تكون هذه المرأة فيها أقرب للمتوفي من الرجل، إلا أنه توجد حالات تكون المرأة فيها بنفس درجة القرابة من الرجل وترث مثل ما يرث، لكن المؤكد أن من يتوغل في هذا العلم يجد حكما كثيرة في كل حالة من الحالات، فعلى سبيل المثال يعطي الله للابن أكثر مما يعطي للأب، لأن الابن مقبل على الحياة والأب مدبر عنها.
لكن الله يعطي للرجل مثل حظ الأنثيين في كثير من الحالات لحكمة، فمثلا يعطي للأخت الشقيقة نصف ما يعطي للأخ الشقيق لأن ما ستأخذه الأخت هو خالص لها، لم يكلفها الله أن تنفق منه على أخيها ولا على زوجها ولا على ابنها، بخلاف الأخ فإن الله تعالى كلفه أن ينفق على زوجته وعلى ابنته وعلى أخته التي لم تتزوج.
فمن أراد أن يطمس هذه الأحكام بدعوى ما يسمونه المساواة في الميراث، ولا أقول تغيير أحكام الله لأن أحكام الله ثابتة لا تتغير، وإنما أقول إنهم يريدون طمس أثر هذه الأحكام في حياة الناس، فنقول لهم، إنكم تسيرون في الطريق الخطإ، ونقول لهم هذه المساواة التي تدعون ليست هي المساواة الحقيقية وليست هي المساواة المنشودة، وإنما المساواة المنشودة والمساواة الحقيقية هي أن يكون جميع المواطنين على مسافة واحدة من الشرع ومن القانون بحيث تجري عليهم الأحكام على وتيرة واحدة فلا يعطى القوي حقا زائدا على الضعيف، المساواة الحقيقية هي كما قال الشيخ العلامة محمد الطاهر ابن عاشور في كتابه “أصول النظام الاجتماعي في الإسلام” “المساواة ترجع الى التماثل في آثار كل ما تماثل المسلمون فيه بأصل الخلقة أو بتحديد الشريعة دون أن يؤثر على ذلك التماثل حائل من قوة أو ضعف، فلا تكون قوة القوي وعزته زائدة له من آثار ذلك التماثل، ولا ضعف الضعيف حائلا بينه وبين آثار ذلك التماثل”.
ويقول الشيخ العلامة: المساواة في الإسلام تتعلق بثلاثة أشياء:
– الإنصاف بين الناس في المعاملات
– المساواة في تنفيذ الشريعة وإقامتها بين الأمة بحيث تجري أحكامها على وتيرة واحدة
– المساواة الأهلية أي في الصُّلوحية للأعمال والمزايا وتناول المنافع بحسب الأهلية
فالمساواة المنشودة هي التي يجسدها قول النبي صلى الله عليه وسلم:
((يا أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم من ءادم وءادم من تراب، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى))
والمساواة المنشودة هي التي يجسدها قول النبي صلى الله عليه وسلم:
((الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ))
والمساواة المنشودة هي التي يجسدها قول النبي صلى الله عليه وسلم:
((أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا))
ويجسدها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر حين شتم بلالا وعيره بسواد أمه ((أعيرته بأمه؟)) قال نعم فقال ((إنك امرؤ فيك جاهلية)) وفي رواية ((ما كنت أحسب أنه بقى في صدرك من كبر الجاهلية شيء)) فألقى أبو ذر نفسه بالأرض، ثم وضع خده على التراب، وقال: “والله لا أرفع خدي من التراب حتى يطأ بلال خدي بقدمه”، فوطأ خده بقدمه.
والمساواة المنشودة هي التي يجسدها قوله صلى الله عليه وسلم:
((ما من إمام –أي حاكم-لايغلق بابه دون ذوي الحاجة والخلة والمسكنة؛ إلا أغلق الله أبواب السماء دون خلته وحاجته ومسكنته))
ü فالمساواة الحقيقية والمساواة المنشودة يا سيادة الرئيس هي أن يكون جميع المواطنين من جالطة إلى برج الخضراء ومن سوسة إلى غار الدماء لهم نفس الحظوظ في الإنارة وفي الماء الصالح للشراب وفي البنية التحتية وفي الشغل والعيش الكريم … هذا يكفله حتى الفصل 20 من الدستور الوضعي الذي يقول “المواطنون والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات، وهم سواء أمام القانون من غير تمييز. تضمن الدولة للمواطنين والمواطنات الحقوق والحريات الفردية والعامّة، وتهيئ لهم أسباب العيش الكريم”، لكننا لا نراه متحققا على أرض الواقع.
ü والمساواة المنشودة يا سيادة الرئيس أن تضمن الدولة لأهالي صفاقس وقابس والمظيلة وأم العرائس والرديف والمتلوي الهواء النقي وأن تجد حلا للسموم التي يستنشقونها منذ عقود وهذا أيضا يكفله الدستور بالفصل 45 الذي يقول “تضمن الدولة الحق في بيئة سليمة ومتوازنة والمساهمة في سلامة المناخ وعلى الدّولة توفير الوسائل الكفيلة للقضاء على التلوث البيئي.” لكن الدولة لا تزال إلى يومنا هذا تماطل في إيجاد حل لهذا التلوث .
ü المساواة المنشودة هي أن يكون للطفل التونسي الذي يعيش في جبال الشمال الغربي نفس الحظوظ مع أنداده في المدن في مدرسة لائقة تتوفر على الماء الصالح للشراب وعلى المرافق الصحية وعلى المعلم المؤهل.
ü المساواة المنشودة هي أن تأخذ بحقوق المعينات المنزليات اللائي يتاجر بهم بعض سمساسرة البشر وبعضهن لم يتجاوز التاسعة من العمر، فيأتي بهن السماسرة مقابل 300 د إلى بعض العائلات الغنية ويشتغلن ليل نهار فوينمن على حشايا قديمة في المطابخ ويلقين سوء المعاملة.
ü المساواة المنشودة هي أن تسعى في أن تتمتع المرأة الريفية التي تشتغل في الحقول وفي الحظائر بنفس أجرة الرجال وبالنقل اللائق لا أن يحملن في مؤخرات الشاحنات التابعة لوزارة الفلاحة ويعرضن حياتهن للخطر، وهذا مما يحسب أنك ذكرته في خطابك الأخير.
ü المساواة المنشودة هي أن ذلك المواطن البسيط الذي يسكن في “الجيارة” لما يقصد العاصمة في ليالي رمضان ليشتري ملابس العيد لأولاد يجد وسيلة نقل توصله إلى بيته ولا يبقى مع أولاده هائما في طرقات العاصمة إلى ما بعد طلوع الفجر.
ü المساواة المنشودة هي أن يكون الوصول إلى المسؤوليات العليا في الشركات الوطنية الكبرى بالكفاءة والخبرة لا بالولاءات الحزبية .
ü المساواة المنشودة هي أن يتمكن جميع المواطنين المحتاجين لدواء السرطان من الوصول إليه.
ü المساواة المنشودة هي أنه لما يريد نائب أو وزير الدخول لمشاهدة مسرحية أو عرض في مهرجان أو مباراة رياضية، عليه أن يشتري تذكرته وأن يدخل مع عامة الناس، لا أن يدخل مجانا ويحجزله مكان في الصفوف الأمامية.
ü المساواة المنشودة هي أن يكون للمواطن العادي نفس الحظوظ مع رجال الأعمال والسياسة والمحسوبية في الحصول على رخصة لاستغلال محطة للوقود أو أي مشروع تجاري أو صناعي أو فلاحي.
ü المساواة المنشودة هي أنه لما تتعلق شبهة فساد أو قضية عدلية بوزير يعفى فورا من منصبه ويمثل للتحقيق كغيره من المواطنين ولما تتعلق شبهة فساد أو قضية عدلية بنائب من نواب الشعب ترفع عنه الحصانة ويمثل أمام التحقيق كغيره من المواطنين.
ü المساواة المنشودة هي أنه لما يصدر خطأ أو تقصير من وزير ويؤدي هذا التقصير إلى وفاة مواطن أو إلى إهدار للمال العام لا بد أن يحاسب كما يحاسب الموظف العادي على أخطائه وتقصيره، لا أن يتمتع بالحماية ولا أن يعزل من منصب الوزارة ويجازى بسفارة في الخارج.
ü المساواة المنشودة هي أنه لما يقصد بعض المواطنين المعتمد لأمر يخصهم يستقبلهم أو يعين لهم موعدا لا أن يرهقهم كذبا وتهربا وكأنهم طلبوا مقابلة ملك من الملوك.
ü المساواة المنشودة هي أن تفتح أبوابك للفقراء قبل الأغنياء، وأن تخفف ديون المحتاجين قبل المترفهين، وأن تنزل للأحياء الشعبية والمناطق الريفية حتى تطلع على أحوال المواطنين، وحتى ترى الشباب المحبط الذي ألجأه الإحباط إلى الإدمان على الخمر والمخدرات، وحتى ترى تلك المرأة التي أبكتك في الحلفاوين خلال الحملة الانتخابية لأنها لم تكن تصل إلى شراء شيء من اللحم، فتتفقدها الآن هل صارت تقدر على قطعة من الدجاج تطبخ بها شيئا تأكله أم لعلها ماتت بجرعة زائدة من “المقرونة الكذابة”
ü المساواة المنشودة هي أن لا يبقى منصب الفتوى ومنصب مشيخة الزيتونة حكرا على “البلدية”، وأن يتمنكن من الوصول إليه أي عالم له كعب عال في العلوم الشرعية ويتميز بالحكمة والورع والاعتدال والتشبع بالمنهج الزيتوني، سواء كان من العاصمة أو من صفاقس أو من الساحل أو من الجريد أو من الشمال أو من الجنوب أو من الشرق أو من الغرب.
ü المساواة المنشودة هي أن ترفع الأحزاب أيديها عن المساجد، وأن لا يتعرض الإمام عند قوله كلمة حق لا تخالف شرعا ولا قانونا إلى المضايقة وإلى العزل كما حصل لي ذات عيد فطر لما انتقدت في خطبة العيد أحد المنظرين لشبكات التسفير لسوريا على منبر جامع السلام فعزلني وزير في حكومتك السابقة عزلني صبيحة يوم العيد بأمر من أحد شياطين الإنس، وإلى الآن لا زلت لا أعرف سبب عزلي، وإلى الآن لا زالوا يقولون لي في الوزارة وفي رئاسة الحكومة: “نعرفوك مظلوم لكن ما نجمو نعملو لك شي على خاطرك اللي نحاك هو فلان”، وأنت يا سيادة الرئيس على علم بالقصة، ورئيس الحكومة على علم بالقصة، ووزير العدل على علم بالقصة، ووزير الشؤون الدينية على علم بالقصة، فياليت شعري هل تعتبر هذه مساواة أم ظلما يا سيادة الرئيس؟ .
ü المساواة يا سيادة الرئيس هي أنك تقضي على الفساد وتحارب الفاسدين حتى إن كانوا من أقرب الناس إليك، وأن تتخذ القرارات اللازمة والإجراءات الصعبة التي من شأنها أن تنقذ البلاد من شبح الإفلاس …
ü المساواة يا سيادة الرئيس هي أنك تساوي بين الدينار والدولار، وأنت تعرف جيدا أن الدينار في عام 1960 كان يساوى تقريبا دولارين ونصف، وأنه انحدر تدريجيا إلى أن صار الدولار يساوي دينارين ونصف الدينار … ما زاد في غلاء العديد من المواد الضرورية ونزل بالقدرة الشرائية للمواطن إلى الحضيض.
ü هذه هي يا سيادة الرئيس المساواة التي ينبغي أن تسعوا في تحقيقها وتكريسها بين المواطنين والتي لا توجد موانع لا فطرية ولا شرعية ولا قانونية منها …
لأنه في بعض الأحيان توجد موانع للمساوة كما بين ذلك الشيخ العلامة محمد الطاهر ابن عاشور، وهذه الموانع إما أن تكون شرعية كمنع المساواة بين المسلم والكافر في كثير من الأمور التي بينها وحددها الشرع، كما في قول الله تعالى ﴿أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لايستوون﴾ وقوله: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾، وإما أن تكون اجتماعية وهي موانع تتعلق غالباً بالأخلاق وبالمواهب كعدم مساواة الجاهل للعالم في الولايات المشروطة بالعلم كالقضاء والفتوى، وعدم مساواة العطاء بين الشاب المتطوع للخدمة العسكرية والشاب العاطل عن العمل القابع في المقهى، وإما أن تكون جِبِلية أي بموجب الخلقة والفطرة كموانع مساواة المرأة للرجل فيما لا تستطيع أن تساويه فيه بموجب الخلقة؛ مثل قيادة الجيش لاحتياج هذه الخطة إلى رباطة الجأش، وكمنع مساواة الرجل للمرأة في كفالة الأبناء الصغار وفي استحقاق النفقة.
فالله تعالى خلق الرجل والمرأة، وركب فيهما أمورا خِلْقية ونفسية، منها ما هو مشترك بينهما، ومنها ما يختص به الرجل عن المرأة، ومنها ما تختص به المرأة عن الرجل، ولهذا جعلهما الله تعالى مشتركين في أغلب التكاليف، وكلف الرجل بأمور لم يكلف بها المرأة وكلف المرأة بأمور لم يكلف بها الرجل، لوجود هذه الموانع الفطرية الجِبِلِّية للمساواة المطلقة بينهما، ولعلمه المطلق بها في أدق تفاصيله، وكيف لا وهو خالقها وباريها ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾ فمن أراد أن يكلف الأيام ضد طباعها، ويعاند حكم الله عز وجل، وينظر للمساواة المطلقة بين الرجل والمرأة، ويرفعها شعارا ودثارا، فليخلق أولا رجلا يحيض ويحمل ويلد، فإن أمكنه ذلك فدعوته للمساواة على الرأس والعين، وإن عجز على ذلك، فليعد إلى رشده وليستقم في حدود ما أمره به خالقه، وليعلم أن ما يدعو إليه هو عين الفساد، وأن مساواة الله تعالى هي عين العدل والصلاح .
أما من يحتج علينا بمدنية الدولة فنقول له: إن كانت الدولة مدنية فلماذا توردون آيات القرءان في خطبكم ومداخلاتكم الإعلامية ثم تلوون لها عنقها؟ ثم أين كانت مدنية الدولة التي تدعون يوم التصويت على اعتماد الصكوك الإسلامية؟ وأين كانت مدنية الدولة يوم رفعت جلسة البرلمان لصلاة المغرب مباشرة بعد التصويت على تخفيض أسعار الخمور؟ أم أن مدنية الدولة تحضر وتغيب؟
وأما من سمى هذه الدعوات اجتهادا في فهم النص القرءاني فنصحح له فهمه للاجتهاد بأن نقول له: الاجتهاد هو استفراغ الجهد في إدراك الأحكام الشرعية التي لم يرد فيها نص صريح في القرءان ولا في السنة لا يحتمل إلا معنى واحدا باستنباطها من القرءان والسنة … وهي وظيفة العالم الذي توفرت فيه أهلية الاجتهاد من شروط وآلات. أما ما ورد فيه نص صريح فليس محلا للاجتهاد، قال أبو بكر بن المنذر “إذا جاء الخبر ارتفع النظر”، وقضية الحال ورد فيها نص صريح ثابت محكم فليست محلا للاجتهاد.
فنسأل الله تعالى أن نكون أوردنا بيانا ضافيا بخصوص هذه المسألة ولنا كلام في الخطبة الفانية عن القضية الثانية قضية زواج المسلمة بغير المسلم.
جعلني الله وإياكم من اللذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولوالدي ولوالديكم إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله وكفى،حمدا إذا قابل النعم وفى، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى، لا سيما على نبيه المصطفى، وعلى آله وأصحابه أهل الوفاء، ومن اهتدى بهديهم واستن بسنتهم وللأثر اقتفى، ثم أما بعد:
يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [البقرة/221] ويقول عز وجل: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة/10]
اعلموا يا أحبابنا أن زواج المسلمة من غير المسلم فضلا عن كونه محرما شرعا، فهو لا ينعقد أصلا، أي أن عقد الزواج هذا باطل، كأن لم يكن، بإجماع علماء أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقد نقل هذا الإجماع ابن المنذر، وابن عبد البر، وابن قدامة، والشوكاني، وغيرهم … ويتأتى من ذلك أن المعاشرة التي تتبع هذا العقد زنا .المسلمة التي ترضى لنفسها أن ترتبط بغير مسلم ليست بحاجة إلى قانون، والقانون لن يضيف لها شيئا، لأنه سواء كان القانون الوضعي يبيح ذلك أو يمنعه فإن الشرع لا يقره بل لا يعتبره أصلا، كأن لم يكن، وتكون معاشرتها له زنا محرما مهما دامت، والأولاد الذين يتولدون من هذه المعاشرة يكونون أولاد زنا، سواء أكان هذا العقد الباطل مسجلا أو غير مسجل، وسواء أباحه القانون الوضعي أو لم يبحه. ونحن كمنتسبين للعلم الشرعي علينا أن نبين هذا الحكم للناس. ألا يحضر هؤلاء بعض الحصص التلفزية التي تبين معاناة أولاد الزنا؟ أم يريدون أن تخرج لنا بعد عشرين سنة فئة جديدة من الشباب تعيش على هامش المجتمع وهم المولودون من معاشرة تونسية مسلمة لأجنبي غير مسلم؟
وفي الختام نتوجه بالنصيحة لمن يريد أن يفرض هذه القوانين المعارضة لشرع الله عز وجل، تفكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ((مَن سَنَّ في الإِسلام سُنَّة حَسَنَة فله أجرُها وأجرُ من عمل بها من بعده ، من غير أن يَنْقُصَ من أجورهم شيء ، ومن سَنَّ في الإِسلام سُنَّة سيِّئة كان عليه وِزْرُها وَوِزْرُ مَنْ عمل بها من بعده ، من غير أن ينقُصَ من أوزارهم شيء))، واعلم أنك لو كنت سببا في أن تقع فتاة مسلمة في هذا المحظور بسنك لقوانين تبيحه، فإنها تكون واقعة في الإثم ما دام هذا الأمر، وستحمل أنت كفلا من وزرها، وستجدد لك هذه الأوزار حتى وأنت في قبرك، وستتمنى أن ترجع إلى الدنيا لتلغي القانون الذي سبب لك كل هذه الأوزار، ولن يكون لك هذا، ولن تجد في قبرك من يصفق لك كما كانوا يصفقون لك وأنت في الدنيا … تفكر في كل هذا قبل أن تقدم على أمر تغضب به ربك عز وجل …
ثم اعلموا يا عباد الله، أن الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم سبب لتنزل الرحمات وموصلة إلى أعلى الدرجات … (الدعاء)

تعليقات الفيسبوك