العمل فقد بريقه وفوضى المقاهي تكتسح الأرصفة في صفاقس .. بقلم حاتم الكسيبي

مقهى في باب بحر صفاقس

مقهى في باب بحر صفاقس

صفاقس كما عرفها اهلها في أواخر القرن الماضي لا تحتوي على هذا الكمّ الهائل من المقاهي المنتشرة بكثرة داخل المدينة و على الطرقات الرئيسية بل وفي الاحياء القديمة و المستحدثة التي ركزت على هامش المدينة. صفاقس أيضا كما عرفها قاصدوها هي بلد العمل والاشتغال بالصنائع والمثابرة على جني صابات الزيتون، ولقد أكرمها التاريخ بحشاد و بميلاد اتحاده اذ كانت هذه المدينة اللبنة الصلبة في وجه المستعمر ودولة الاستقلال اذا ما تعلق الأمر بالعمل والعامل و أجره و حقوقه عامة. يروي التاريخ أنّ أول مقهى في صفاقس ركّز بما يعرف عندنا بسوق الكامور و هي اليوم مقهى الطريقي التي يقال انّها شيّدت سنة 1840. عرفت المدينة أيضا عديد أسماء المقاهي كالسلام و تونس و شعور في البلاد “السوري” و مقهى بن حسانة في باب الديوان و مقهى كمون في نهج الجامع الكبير و مقهى العموص و غيرها من الفضاءات التي أعدّت للترويح ساعة من نهار. لكنّ الحال اختلف اليوم كليّا عن أيام زمان بعد أن زاده العهد البائد تعقيدا و زادته الثورة تمردا.

انتصبت المقاهي كما اتفق فلم يعد يدري المواطن ان كانت هذه الفضاءات الفوضوية تحترم كرّاس الشروط أو أن هذه الاخيرة تمزقت فلم يعد لمانح الرخص حاجة له بها. لم نعد نلاحظ الفرق بين كافتيريا وسط المدينة المعدّة للاستهلاك السريع أو “على الطاير” كما يقال و مقاهي “المراكز”، والمركز في صفاقس له معنى خاص فهو رأس كل زنقة تقريبا و يحتوي عادة على المقهى والجامع و المدرسة و حانوت العطرية و بالطبع محطة الحافلة. الكل يدخّن الشيشة، التي تتطلب سويعات، على قارعة الطريق حيث يعلو الدخان الكثيف للفحم المشتعل و المعدّ “للولعة” و تقفز أيضا بعض السوقيات من تلك الطاولة التي أمّها بعض الفتيان محاولة منهم في استعراض رجولة زائفة. من يحترم الطريق والفضاء العام امام المقاهي المنتشرة ؟من يعطي الطريق حقّه ؟ و من يستردّ مجد المدينة الضائع في ثنايا نشر سياسة قتل الوقت بتؤدة.

من المقاهي القديمة قرب جامع العجوزين

من المقاهي القديمة قرب جامع العجوزين

لقد إنطلقت منذ أيام حملة أمنية داخل الولاية في إطار استرداد الأرصفة و بعض مداخل الأنهج التي استأثرت بها المقاهي ومن ثمّ إزالة تلك الركائز الحديدية اللاقانونية التي نصبت في الطريق العام وهي التي مهّدت لانتصاب الكراسي والمناضد كما اتفق. هذه الحملة المباركة التي أشرف عليها إقليم الأمن بصفاقس وشاركت فيها مختلف وحداته آتت أكلها بعد التنبيه و حجز ما نصب في الطريق العام ولكنّ عديد المقاهي لا سيّما المتواجدة في الغابة عادت الى عادتها القديمة و جهّزت من جديد أرصفة الطريق العام بضفتيه بالكراسي والمناضد وانتصبت الشيشة من هنا وهناك أضف الى تلك الطوابير الطويلة و المصطفة كما اتفق من السيارات و التي تعطل بدورها حركة المرور فتزداد وتيرة الحوادث في تلك الأمكنة لا سيّما لعابري الطريق المترجلين أمام تلك المقاهي. الحل لن يكون أمنيا فحسب بل وجب تدخل كافة مكونات المجتمع المدني و مؤسسات التربية والتعليم للنقاش بجدية في مثل هذا الموضوع الذي ثبّط عزائم الشباب و صرفه عن العمل والكد واكتفى بملاليم يجتهد في نزعها عنوة من والديه أو نشلا من جيوب الناس.

لقد فقد العمل بريقه في صفاقس فلم تعد تجد أهل الصنائع و لا تلاحظ حذقهم و اتقانهم لها بل تجد متلكئا طامعا في أجرة يوم لا تكاد تراه بعد قبضها حتى يتم صرفها في المقاهي ثم يعود اليك اذا انقضت يوميته لواصل شغله المتقطع لعله يظفر بدنانير أخرى. هنا يبرز دور الجمعيات الأهلية التي باركتها الثورة والتي ينتظر منها الكثير في ترشيد قيم المواطنة لدى الناشئة و حثّهم على العمل والبذل لصالح البلاد والعباد ثم يبرز دور المؤسسة التعليمية التي يبدو انها لا تتدخل البتة في اسناد رخص المقاهي ودور الملاهي التي تنشط حولها فتصبح اذا بمثابة الملاذ من الدرس لعدد لا بأس به من الشباب. الجهد الثالث المطلوب من السلط الجهوية و نواب الجهة هو السعي الحثيث لتوفير فضاءات ترفيه بالجهة يؤمّها الأطفال والشباب والعائلات ساعة الراحة وأيام العطل اذ ينعدم في مدينتنا الفضاء الترفيهي فيتجه الناس نحو كورنيش شط القراقنة و شواطئ طريق سيدي منصور الملوثة في الصيف و يحتبس الترفيه في الشتاء فتزدرد المقاهي وانتصابها الفوضوي الأعداد الهائلة من الشباب لمجرد قتل الوقت بلعب الورق و تدخين الشيشة و الخوض على السريع في السياسة والثقافة والدين و كل شواغل الحياة فتنمو طبقة مزدرية للوضع و غير آبهة و لا واعية بمشكلات البلاد فتكون كالأبله في الزفة يوجهها إعلام القيل والقال كيفما شاء.

بقلم حاتم الكسيبي

من المقاهي القديمة داخل المدينة العتيقة

من المقاهي القديمة داخل المدينة العتيقة

تعليقات الفيسبوك