الشيخ حسن القرمازي .. و انطفأ نور من أنوار الزيتونة بقلم الاستاذ حاتم الكسيبي

الشيخ حسن القرمازي
الشيخ حسن القرمازي

زيتونة يكاد زيتها يضيء، كذلك كان حال علمائها الذين جمّعتهم الحركة الوطنية و الذود على الهوية في ظل التغريب المشين و فرّقتهم رياح الاستقلال بعد أن كبّلت جامعتهم فأغلقت أبوابها وشرّدت مريديها. هذا أيضا هو حال شيخنا الفاضل حسن القرمازي بالأمس القريب قبل أن يلقى ربه. رحمه الله وأسكنه فراديس الجنان مع النبيين و الصديقين والشهداء وجمعنا و إياه بسيد الخلق وأفضلهم صلى الله عليه وسلم في أعلى عليين. شيخنا إمام و خطيب الجامع الكبير لحقبة من زمن الاستبداد، من مواليد هذه المدينة الطيبة سنة 1915 و من متساكني طريق الأفران، زاول تعلمه الشرعي بمدينة صفاقس أول الأمر ثم انتقل الى جامع الزيتونة المعمور ليحرز على شهادة العالمية ويصبح بذلك علاّمة من علاّمات عصره ولكن حظّه في الزعامة لم يكن وفيرا اذ كان يناوئ رياح التغريب التي هبّت على تونس بعد الاستقلال لا سيّما و قد عُطّل التعليم الزيتوني و ادمج المقرّبون منهم في التعليم العمومي و استبعد المخالفون للعلمنة عن مفاصل الدولة و لقاء الناس بالموعظة الحسنة والكلمة الطيبة. بل حوربوا في بعض الأحيان في رزقهم فانقطعوا عن الناس قهرا وعاشوا العزلة كما عاشها الشيخ الجليل رحمه الله. لم ينصف نظام السابع من نوفمبر الشيخ حسن القرمازي و لم يفتح له أبواب الدعوة والنصيحة بل استدام حالة العزل فداوم انقطاعه عن الناس عدى بعض المقربين منه ربما لتقدمه في العمر، ولكنه ظل ملجأ للإرشاد الديني وللفتوى الصريحة الواضحة التي لا لبس فيها التزاما بمبدأ “من كتم علما ألجمه الله بلجام من نار” من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رواه الحاكم وابن حبان. جاءت رياح الثورة بالخير الوفير أول الأمر فكان من المبتهجين رغم بلوغه سنّا عتيا. ولقد زاره آنذاك وزير الشؤون الدينية الشيخ الدكتور نور الدين الخادمي في بيته فكان اعتراف اللحظة الأخيرة للدولة التونسية بقيمة علماء الزيتونة و استلهام لفكرهم والتماس لطريق وعر سلكوه لعقود من الزمن في ظل الاستبداد و مناوأة المدرسة الزيتونية العريقة. لعل من آخر تدخلاته في شؤون البلاد ومما أحاط بها من صخب الثورة، فتواه في تجسيد الذات الإلهية لمّا عرض شريط الصور المتحركة الذي بُثّ على قناة نسمة وأحدث سخطا شعبيا واستهجانا كاد أن يحيد بالثورة المباركة عن طريقها لولا تعقل العقلاء و قلة جهد الخائضين في عقائد الناس و مذهبهم المالكي الزيتوني بجهل وحماقة. رحم الله شيخنا الذي فارق الدنيا بالأمس العاشر من شهر مارس لرحاب أوسع حيث توفّى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون. هكذا انطفأت شمعة متفرّدة كانت تتلألأ بنور الزيتونة فهل نهتدي بسراج آخر أم سيطمس الظلام ما حولنا؟ قال تعالى ” يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي”.

الاستاذ حاتم الكسيبي

قد يعجبك ايضا