صفاقس : المخترع أمين الغرياني .. أحبته أوروبا ومازال يأمل في كسب ود تونس

أمين الغرياني ( صورة لقناة الجزيرة )

اخترع ألوانا بيولوجية تقي مستعمليها خطر المواد “المسرطنة” ويجري الآن اختبارات لاختراع مواد تجميل نسائية (ماكياج)، بيولوجية هي الأخرى، تجمّل المرأة بلا أي تخوف من آثار سلبية على البشرة أو على الصحة.

ما كانت رحلة أمين الغرياني الشاب الثلاثيني السنوات، الصفاقسي المنشأ، يسيرة… قال يستذكر مقولة للشاعر الإسباني الفرنسي أنتوني ماشادو “في البدء لم تكن هنالك طريق. نحن من نصنع الطريق بمجرد السير”. اخترع أمين ألوانه البيولوجية من مادة ليست ذات بال في الاستعمالات اليومية للتونسيين بل هي مادة موسمية أساسا لا تظهر إلا مع فترة جني الزيتون.

بدأ أمين تجاربه في مطبخ بمنزل أبويه وانصاعت والدته “لنزواته الإبداعية” بعد أن أرهقها برحي “مادة الفيتورة” (بقايا مستخلصات حب الزيتون بعد تحويله زيتا) على آلة تستعملها لرحي حب الصنوبر الحلبي (الزقوقو).

طوّر الشاب الحاصل على شهادة الدكتوراه من جامعة جون جوراس الفرنسية ألوانه الطبيعية التي اخترعها سنة 2012 إلى مواد شحن خرطوشات الطابعات وتحصل من الاتحاد الأوروبي على براءة الاختراع وأصبح لديه بفضل هذا الإنجاز شركاء بكل من فرنسا وألمانيا.

ولا يكتفي الدكتور بالانكفاء على خدمة مشروع استخراج الألوان من بقايا حب الزيتون (الفيتورة)… قال بنبرة رقيقة تعكس ملامح جسد نحيل لكنها في الآن نفسه واثقة كأنما تفضح صلابة الإرادة في هذا الجسد، “سأخوض تجربة ما بعد الدكتوراه في سويسرا بالاشتغال على تطوير اختراع المكياج البيولوجي”.

دخل أمين “ابن جامعة تولوز” الفرنسية مثلما صرح بلسانه، قائمة أفضل مائة باحث في أوروبا. كرمته وزارة التعليم العالي بفرنسا وتحصل على جائزة الرئيس الفرنسي سنة 2014. تكريم اعتبره الدكتور “تاريخيا” لكنه لم يخف ألمه من تجاهل سلطات بلاده تونس إنجازه العلمي والعالمي.

يقول أمين في نبرة امتزج فيها الاستغراب بالألم ” توقعت بعد هذا التكريم أن تحتفي بي بلدي. لست طامعا في الاحتفاء بشخصي… كنت أعتقد أنه من خلال هذا التتويج ستهتم السلطات بالعلم والعلماء ولكنها لم تحرك ساكنا”.

لم يتخط تكريم الحكومة التونسية لابنها الدكتور المخترع مجرد “المجاملة” حسب أمين الغرياني. قال إن التكريم جاء نتيجة ضغط من الإعلام وكان “باهتا” واقتصر على دعوة ليوم العلم وتسليمه شهادة اعترافا بجهوده.

ودعا أمين الحكومة إلى تجاوز مرحلة “التكريم بالشهادات” بالتفكير جديا في وضع آليات من شأنها تحفيز الباحثين والعقول والكفاءات.

همس إلينا الدكتور الذي هو في الأصل خريج المعهد العالي للفنون والحرف بصفاقس “هنالك آلاف في تونس أمثال أمين الغرياني يستطيعون تبديل وجه البلد إلى الأفضل لكن ليس بمجرد أن تمد لهم الحكومة شهادة ويتقاسم معهم المسؤول صورة”.

ويرى أن على الدولة أن تتحمل عبء تمويل الباحثين والمخترعين لتنفيذ مشاريعهم قائلا “أفكار هؤلاء قادرة على خلق مشاريع تمتص بطالة العاطلين ورفع حرج تشغيلهم عن الدولة بإدراجهم في دورة إنتاج مبدعة ومجددة”.

وأصر “مخترع الألوان الطبيعية “على القول إنه لا ينتظر من الحكومة “منة” ولكن حبه للوطن يملي عليه دعوتها إلى الاهتمام “جديا بعلمائها وكفاءاتها”. قال مظهرا بعض تشاؤم “سيأتي يوم تصبح فيه تونس بلد ثروة لكن خالية من العقول. لعلكم تلمسون هجرة متزايدة في كل يوم تقريبا للأدمغة بحثا عن آفاق أرحب”.

ورغم ما يستطلعه من “قتامة” في مستقبل العلم والعلماء في تونس، أسس أمين الغرياني الجمعية التونسية للبحث العلمي والابتكار والملكية الفكرية لأنه يسعى إلى “جمع العقول المبتكرة والمبدعة حتى لا تتشتت جهودهم” ولأنه يأمل في عالم أفضل.

ولا ينكر المخترع التونسي “الصغير” أنه يستمد قوة الحلم من محبة الناس الذين دعموا مشروعه منذ البدايات ومن الشركات التي لم تبخل على تمويل أفكاره بعد أن آمنت بجدواها.

ونظمت الجمعية التونسية للبحث العلمي والابتكار والملكية الفكرية يوم 1 مارس الحالي الدورة الأولى لصالون الاختراع والابتكار ويحضره 30 مخترعا من 18 دولة.

وشارك في هذا الصالون أيضا مخترعون أطفال تتراوح أعمارهم بين 8 و 12 سنة ينشطون ضمن “نادي المخترع” الذي أسسه أمين الغرياني منذ سنتين.

وات

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جار التحميل...