من قاعات الدرس إلى تحديات المستقبل: صفاقس تناقش إعادة بناء تكوين المهندس
في ظل التحوّلات المتسارعة التي يشهدها العالم على المستويات التكنولوجية والاقتصادية والمعرفية، نظّمت المدرسة الوطنية للمهندسين بصفاقس، يوم السبت 17 جانفي 2026، ملتقى علميًا وطنيًا بعنوان «Ingénierie 360°: المرجعيات، الإنجاز والإتقان»، خُصّص لإعادة التفكير في منظومة تكوين المهندس التونسي واستشراف آفاق تطويرها.
وقد أشرف على افتتاح الملتقى مدير المدرسة الأستاذ خالد العش، بحضور عدد هام من الأساتذة الجامعيين والباحثين والخبراء، في سياق وطني يتّسم بتغيّر عميق في متطلبات سوق الشغل وارتفاع وتيرة الابتكار التكنولوجي، ما يفرض مراجعة شاملة للبرامج والمقاربات البيداغوجية المعتمدة في مدارس الهندسة.
وشكّل هذا اللقاء العلمي فضاءً للنقاش حول مضامين الكتاب الأبيض لمنظومة التكوين الهندسي، حيث قدّمت الأستاذة نهلة بوعزيز، بصفتها عضوًا باللجنة القومية، عرضًا لخلاصة أعمال اللجنة ومقترحات الإصلاح الرامية إلى إرساء منظومة تكوين أكثر مرونة ونجاعة، قادرة على الاستجابة للتحوّلات الوطنية والدولية.
وفي مداخلته، أكّد الأستاذ الناصر عمّار أنّ التحديات الراهنة تفرض الانتقال من منطق نقل المعرفة إلى منطق بناء الكفاءة، داعيًا إلى استباق حاجيات المهن المستقبلية وربط التكوين بالتحوّلات الصناعية والرقمية. من جهتها، شدّدت الأستاذة درّة السلامي على ضرورة اعتماد المعايير الدولية في التكوين الهندسي، مع التركيز على جودة المحتوى البيداغوجي وتطوير طرق التدريس وتعزيز التواصل مع المحيط الاقتصادي.
كما تضمّن الملتقى عروضًا لتجارب بديلة في تكوين المهندسين، أبرزها تجربة فرنسية في التكوين بالتداول والبناء التشاركي قدّمتها الأستاذة مهى شرف الدين، إلى جانب عرض قدّمته الأستاذة رحمة خليف حول توظيف الذكاء الاصطناعي في دعم المدرّسين وتطوير الممارسات البيداغوجية، بما يساهم في تحسين جودة التعلّم وتخصيص المسارات التعليمية.
وأجمع المشاركون على أنّ مهندس اليوم لم يعد مطالبًا فقط بإتقان الجوانب التقنية، بل أصبح مطالبًا أيضًا بامتلاك مهارات تحليلية وتواصلية وقدرة على العمل ضمن فرق متعددة الاختصاصات، فضلًا عن المرونة والتأقلم مع بيئات مهنية متغيّرة ومعقّدة.
وتناولت أشغال الملتقى محاور استراتيجية متعدّدة، من بينها الانفتاح الدولي عبر الشراكات الأكاديمية والبرامج المشتركة، وتكريس المرجعيات المهنية لضمان مواءمة التكوين مع حاجيات سوق الشغل، إلى جانب بناء مصفوفة كفاءات واضحة لمهندس الغد، وتطوير المناهج التعليمية بالاعتماد على التعلّم النشط والتعليم بالمشاريع والتكوين بالتناوب.
كما خُصّص جانب هام من النقاش لدور الذكاء الاصطناعي في التكوين الهندسي، حيث تم التأكيد على أنّ هذه التكنولوجيا أصبحت رافعة أساسية لتطوير التعليم العالي، شريطة إدماجها ضمن رؤية بيداغوجية واضحة تحترم القيم الأكاديمية وتحافظ على البعد الإنساني للجامعة.
وفي ختام الملتقى، شدّد المشاركون على أهمية اعتماد رؤية شاملة ومندمجة لإصلاح منظومة التكوين الهندسي، تقوم على الجودة والابتكار والانفتاح على المحيط الدولي، بما يمكّن من تكوين مهندسين قادرين على الاندماج السريع في سوق الشغل والمساهمة الفاعلة في دفع التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ويؤكّد ملتقى «Ingénierie 360°» مكانة صفاقس كفضاء علمي فاعل في النقاش الوطني حول إصلاح التعليم الهندسي، وكمحطة مفصلية لبناء تصوّرات جديدة تواكب تحوّلات العصر وتستشرف مستقبل المهنة الهندسية في تونس.