استقالة النائب حسن الجربوعي من رئاسة لجنة الفلاحة
أعلن النائب حسن الجربوعي عن استقالته من رئاسة لجنة الفلاحة “رفضًا لتواصل تعطيل مسار الإصلاح واستمرار أسباب الفشل”.
وفي ما يلي نص الاستقالة:
“أُعلن استقالتي من رئاسة لجنة الفلاحة رفضًا لتواصل تعطيل مسار الإصلاح واستمرار أسباب الفشل
في البداية، أتوجه بخالص اعتذاري إلى كافة الزملاء الذين وضعوا ثقتهم في شخصي لتولي رئاسة لجنة الفلاحة والأمن الغذائي والمائي والصيد البحري بمجلس نواب الشعب، كما أتوجه باعتذاري إلى جميع الفلاحين الذين علّقوا آمالًا على تكليفي بهذه المسؤولية، ورأوا في وجودي على رأس هذه اللجنة فرصة لإطلاق مسار إصلاحي جاد يلامس واقع القطاع الفلاحي ويعالج مشاغله الحقيقية.
لقد تعاملت منذ اليوم الأول مع هذه المسؤولية باعتبارها تكليفًا لا تشريفًا، وواجبًا يقتضي العمل والإنجاز لا مجرد الحضور أو إدارة الشأن اليومي. وانطلاقًا من هذا التصور، عملت رفقة عدد من الزملاء على وضع رؤية واضحة وخطة عمل مرحلية تهدف إلى متابعة وإصلاح عدد من الملفات الحيوية، من خلال المبادرة التشريعية وتفعيل الدور الرقابي الذي خوّله لنا الدستور والقانون، إيمانًا منا بأن الإصلاح الحقيقي لا يُبنى بالشعارات، بل بالعمل الجاد والتشريعات الناجعة والمتابعة المستمرة.
غير أن الواقع الذي واجهناه كان مختلفًا عمّا كنا نطمح إليه. فقد اصطدمنا بمنظومة يطغى عليها التعطيل والتسويف والبيروقراطية، وبعقليات متكلسة ترفض الانفتاح على المبادرات الجديدة، وتتعامل مع الشأن العام بمنطق التنافس الضيق وحسابات المواقع والنفوذ، بدل منطق التكامل والعمل المشترك من أجل المصلحة الوطنية.
لقد سعينا إلى فتح ملفات جوهرية تمسّ واقع الفلاح التونسي، وتقدمنا بمقترحات ومبادرات عملية، وعقدنا جلسات استماع حول الإشكاليات الحقيقية التي يعاني منها القطاع. إلا أننا وجدنا في كثير من الأحيان أبوابًا موصدة وتعاطيًا لا يرتقي إلى حجم التحديات المطروحة. ومع مرور الوقت، أصبح واضحًا أن العائق الأكبر أمام الإصلاح لا يتمثل دائمًا في نقص الأفكار أو غياب الرغبة في التغيير، بل في وجود ذهنيات إدارية وتنفيذية مازالت تقاوم كل نفس إصلاحي وكل مبادرة قادرة على إحداث أثر فعلي على أرض الواقع.
لقد قبلت هذه المسؤولية لأنني أؤمن بالفعل لا بالخطابات، وبأن المسؤول يُقاس بما ينجزه لا بما يعلنه من وعود. وكنت على يقين بأن مشاكل الفلاحة التونسية لا يمكن حلها في فترة وجيزة، لكن هدفي كان المساهمة في بناء جسور ثقة حقيقية بين الفلاح ومؤسسات الدولة، وتحويل مشاغل الميدان إلى مشاريع قوانين، والمطالب الواقعية إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ.
إلا أنني اكتشفت، مع مرور الوقت، حجم التصدعات التي تعاني منها منظومة الإدارة التونسية، وحجم العراقيل التي تعطل أي محاولة جادة للتغيير. ومن هذا المنطلق، اخترت تقديم استقالتي من رئاسة اللجنة، لأنني أرفض أن أكون شاهد زور على مرحلة تُهدر فيها فرص الإصلاح، وأرفض أن أتحول إلى واجهة شكلية تُستخدم لتبرير الفشل أو لتجميل واقع لا يعكس حقيقة ما يعيشه القطاع الفلاحي.
إن المسؤولية تكليف وليست تشريفًا، والتكليف يحتاج إلى أدوات وآليات وصلاحيات تمكّن من الإنجاز. وعندما تصبح هذه الأدوات معطلة أو غير متاحة، فإن الاستمرار يفقد معناه الحقيقي، ويتحول إلى مجرد حضور شكلي لا ينسجم مع قناعاتي ولا مع ثقافة العمل التي أؤمن بها.
ورغم هذا القرار، فإن التزامي تجاه الفلاح التونسي سيبقى ثابتًا لا يتغير. وسأواصل الدفاع عن حقه في سياسات عادلة، وإصلاحات حقيقية، وقرارات شجاعة تنصفه وتضمن استدامة القطاع وتطوره، من أي موقع كنت. فالقضية بالنسبة إليّ لم تكن يومًا منصبًا أو صفة، بل مسؤولية أخلاقية ووطنية تجاه قطاع يمثل أحد أهم ركائز الاقتصاد الوطني وضمانة أساسية للأمن الغذائي لبلادنا.
وأمام الله وأمام المواطنين، أرفض أن أكون جزءًا من منظومة تبرر العجز، أو تتعايش مع الفشل، أو تكتفي بإدارة الأزمات بدل معالجتها. فالإصلاح يحتاج إلى إرادة، والإرادة تحتاج إلى قرار، والقرار يحتاج إلى شجاعة. وما لم تتوفر هذه العناصر، ستظل الشعارات مجرد كلمات تُقال، دون أن تُحدث أثرًا حقيقيًا في واقع الفلاح”.