صفاقس عاصمة الثقافة العربيّة : بقلم د. محمد الناصر بن عرب

الدكتور محمد ناصر بن عرب
الدكتور محمد ناصر بن عرب

بعد ما أفضت أعمال اللجنة الدائمة للثقافة العربيّة التaابعة للمنظّمة العربيّة للتربية و الثقافة و العلوم إلى اعتماد مدينة صفاقس كعاصمة للثقافة العربيّة أودّ أن أعرض للقارئ الكريم تعريف الثقافة في اللغة العربيّة و نتّفق على معنى الثقافة و فهم محتواها ثم نتحدّث عن المشاريع التي سيتمّ انجزها من طرف الهيئة التنفيذيّة الخاصّة بهذا الحدث و كلّ الأطراف المعنيّة بالأمر الثقافي و المعرفي بمدينة صفاقس.

فحسب القاموس الجديد للطلاّب ، الثقافة هي التمكّن من العلوم و الفنون و الآداب.

و في معجم المعاني الجامع ، تعني الثقافة العلوم و المعارف و الفنون التي يُطلب الحذق فيها و يتعدّد معناها كالآتي : فالثقافة العامّة هي مُجمل العلوم و الفنون و الآداب في إطارها العام. و الثقافة الوطنيّة فهي ما يميّزها عن غيرها من معارف و علوم و فنون و عادات و تقاليد أي كلّ ما هو مرتبط بحضارتها. و الثقافة الشعبيّة هي الثقافة التي تمّيز الشعب و المجتمع الشعبي و تتّصف بامتثالها للتقاليد و الأشكال التنظيميّة الأساسيّة.

أمّا الثقافة المهنيّة فهي الثقافة التي يلمُّ بها الذين هم على درجة عالية من التعليم أو التمدّن في المجتمع. و الثقافة العالميّة تشير إلى تعميم الثقافة بمنطق إنسانيّ و الانتقال بالتراث المحلّي إلى آفاق إنسانيّة عالميّة بهدف إيجاد تقارب الثقافات في إطار التعدُّد و التنوّع الثقافي.

و في نظرنا تهدف الثقافة القوميّة إلى إنشاء و توطيد و توحيد علاقة ثقافيّة و فكريّة و علميّة و اقتصاديّة بين شعوب الكتلة البشريّة العربيّة لبعث اتّحاد على غرار الاتّحاد الأوروبي.

و في القاموس الفرنسي تعتبر الثقافة جملة من الهياكل الاجتماعيّة و التظاهرات الفنيّة و الدينيّة و الفكريّة الخاصّة بمجتمع ما بالنسبة للمجتمعات الأخرى.

لِنتَطرّق الآن في شأن انتداب مدينة صفاقس عاصمة للثقافة العربيّة شكلا و مضمونا. و السؤال الوجيه هو : هل تستحقّ مدينة صفاقس اعتمادها كعاصمة للثقافة العربيّة ؟ والهدف من هذا السؤال هو الاستطلاع و الايضاح و الدقّة و ليس لنقد هذا الاعتماد. بل نحن سعداء لهذا الاختيار و نأمل نجاحه على أحسن ما يرام و سوف يكون كسبا ثمينا لإدراج مدينة صفاقس العتيقة على لائحة التراث العالمي.

صفاقس عاصمة للثقافة العربيّة ! في الحقيقة لمدينة صفاقس علاقة متينة بالدولة العباسية ، الدولة العربية الاسلامية التي كسبت مكانة راقية في العالم في ذلك العهد. وللتذكير لقد ولّى الخليفة هارون الرشيد ابراهيم ابن الأغلب التميمي الخراساني على إفريقية (تونس) سنة 183 هجري الموافق سنة 800 ب.م . و ينتمي بنو الأغلب إلى قبيلة بني تميم العربية التي أتت من نجد و العراق و استقرّ البعض منها بخراسان. و استمرّت الدولة الأغلبيّة بإفريقيّة (تونس)إلى غاية سنة 296 هجري الموافق سنة 909 ب.م.

لقد شيّد بنو الأغلب العديد من المعالم بإفريقية. أعادوا تشييد جامع عقبة ابن نافع بمدينة القيروان و أسّسوا حذوها مدينة العباسيّة و مدينة رقّادة. كما أنّهم أعادوا بناء جامع الزيتونة بتونس العاصمة. و دفاعا عن السواحل شيّد بنو الأغلب رباط مدينة سوسة و أسّسوا مدينة صفاقس أيضا سنة 234 هجري الموافق سنة 849 ب.م و تعتبر اليوم مدينة صفاقس العتيقة من أفضل معالم العالم العربي الاسلامي.

أمّا المدينة الحديثة التي تأسّست تحت الحماية الفرنسيّة فهي جوهرة تألّقت بهندسة معماريّة تتميّز باستنباط بديع من الهندسة المعماريّة العربيّة الاسلاميّة و خليط من هندسة البلدان الأوروبيّة.

تطلّ مدينة صفاقس على البحر الأبيض المتوسّط بمرساها الذي كان يربط بينها و بين كل البلدان المتوسطية وقع من خلاله الأخذ و العطاء الثقافي و الفكري و الديني و التجاري و كان ينبوعا تغذّى منه سكّان المدينة و ضاحيتها و تمّ إنشاء الميناء الحالي في نهاية القرن التاسع عشر ميلادي الذي يعتبر من أعظم المواني التجارية و الاقتصادية الوطنية.

و علاوة على الأهمية التاريخية و التراثية لمدينة صفاقس فإنّ المركّب الجامعي الضخم بصفاقس يعتبر قطبا ثقافيّا هامّا يخوّل لمدينة صفاقس أيضا التأهيل من حيث المضمون لاحتضان هذه التظاهرة إذ أنّه يضمّ خمس كليّات و ثلاث مدارس عليا و إثنتا عشرة معهدا و مركزا واحدا للبحث العلمي.

أمّا الكليّات فأهمّها :
كليّة الآداب و العلوم الانسانيّة
كليّة الطبّ
كليّة العلوم
كلية الحقوق
المدرسة الوطنيّة العليا للمهندسين
المعهد العالي للفنون و الحرف
المعهد العالي للموسيقى
المعهد العالي للإعلاميّة و الملتيماديا

و تعدّ جامعة صفاقس 43.473 طالب نصف هذا العدد متكون من الطالبات كما تضم 2210 مدرسا.

و بمدينة صفاقس يوجد عدد وفير من الكتّاب و الشعراء والفنّانين و الموسيقيين و مخرجي المسرح و السينما و العديد من الممثّلين أيضا.
لكن بقدر ما تحتوي صفاقس من مؤسّسات تربويّة كبرى و عديدة فهي تخلو من بنية أساسيّة للفضاءات الأساسيّة و المنشئات الثقافيّة و الترفيهيّة و الرياضيّة و تشكو المؤسّسات الموجودة لهذا الغرض نقصا فادحا و انهيارا كبيرا. فالمواطن لا يستطيع في هذا الوضع تعاطي المعرفة و الثقافة كأنّ جامعة صفاقس و وزارة الثقافة و التربية و التعليم تهدف كلّ منها لتكوين الإطارات و الكوادر و الأساتذة و المعلّمين دون أن تسعى لبعث ساحة ثقافيّة تضمن للمواطنين الحقّ و التمتّع و الاستفادة من المعرفة و الثقافة بتعدّد المكتبات و النوادي الترفيهيّة و الثقافيّة و الموسيقيّة و الرياضيّة و قاعات السينما و المسرح و المتاحف و قاعات العرض للفنون بشتّى أنواعها…

و علاوة على غياب الهياكل اللازمة للاستهلاك الثقافي بشتّى أنواعه فمدينة صفاقس تخلو أيضا من بنية تحتيّة جيّدة تسمح للمواطنين التنقل و الاتّصال الناجع للعمل و المعرفة.

و للتذكير في شأن البنية التحتيّة فلقد أنشأت فرنسا في عهد الحماية محطة الأرتال بصفاقس سنة 1315 هجري الموافق سنة 1898 ب.م ترتبط بمدينة قفصة لنقل الفسفاط و وقع اتصالها بمدينة سوسة سنة 1330 هجري الموافق سنة 1912 ب.م. و كانت صفاقس تعدّ سنة 1315 هجري الموافق سنة 1898 ب.م 16.000 ساكنا. و للأسف الشديد ، دار لقمان على حالها ، إذ أنّ المدينة الثانية في الجمهوريّة التونسيّة ما زالت اليوم تستعمل نفس المحطّة دون أيّ تغيير و توسّع رغم كثافة سكّانها و أهمّيتها الجامعيّة و الاقتصاديّة و الصناعيّة.

أمّا الطرقات العديدة التي تؤدّي لوسط المدينة فهي في حالة يرثى لها علاوة على قلّة و رداءة وسائل النقل و الاستعمال المفرط للسيارات الخاصّة دون وجود الفضاء اللازم لإيوائها.

و حسب ديوان الطيران المدني و المطارات فإنّ مطار صفاقس الدولي يستوعب ما بين 200.000 و 500.000 مسافر و ريثما تتمّ الأشغال الحاليّة سوف يستوعب المطار 1.000.000 مسافرا .!!!

لكن الحقيقة لاذعة لأنّ مطار صفاقس وقع تصميمه في حجم محطة قطاراتها !!! بينما تأسّست محطة القطارات لمدينة كانت تعدّ 16.000 نسمة سنة 1315 هجري الموافق سنة 1898 ب.م ، فلقد تمّت آخر الأشغال بالمطار سنة 1427 هجري الموافق سنة 2007 ب.م. فعندما تنزل أو ترحل طائرتان في نفس الوقت تكتظّ قاعة الرحيل اكتظاظا لا يطاق. و من الأسف الشديد يدعى هذا المطار مطار صفاقس الدولي لأنّه مرتبط بمدينة باريس لا أكثر و لا أقلّ…

إنّ مدينة صفاقس قطب جامعيّ و ثقافيّ في الجمهوريّة التونسيّة علاوة على تاريخها المجيد و تراثها النادر تستحقّ الانتداب كعاصمة للثقافة العربيّة ، لكنّها للأسف الشديد لا تملك البنية التحتيّة الملائمة و الناجعة و الفضاءات الثقافية و الترفيهية و النوادي المختلفة سواء كان لسكّان المدينة و ولايتها أو للزائرين الذين سوف يقدمون على مدينة صفاقس كعاصمة للثقافة العربّية طيلة سنة كاملة.

فإن أردنا أن يتوج هذا الحدث بالنجاح ، فلا بدّ أن يكون العنصر الثقافي و الفكري و العلمي هو العنصر الأساسي في واجهة هذه التظاهرة و نقصد هنا الكُتّاب و الشعراء و مخرجي السينما و المسرح و الممثّلين و الفنّانين و الرسّامين و النحّاتين و الأساتذة و المعلّمين و دور النشر و التوزيع و الحرفيين و المجتمع المدني و المواطنين أيضا بمدينة صفاقس.

و في نظرنا لنجاح هذه التظاهرة نقترح أن تعمل اللجنة التنفيذية على إرساء العديد من المكتبات العمومية و المسارح و قاعات السينما و المتاحف و الملاعب الرياضية و السرك و المسابح العمومية و تعمل أيضا على إنشاء النوادي لتعاطي العديد من النشاطات الفكرية و الفنية و البراعة اليدويّة و الموسيقية و الترفيهيّة و الرسم و النحت… حتّى تكون هذه التظاهرة انطلاقة تضمن للشباب في المستقبل الاستفادة من هذه البنية و تمكّنه من مواكبة العصر الحديث و كسب ثقافة وطنيّة و قوميّة عربيّة تخوّل له مكانة راقية في العالم كما أنّ مبادرة هذا العمل سوف تكون في حسن ظنّ الوفود العربيّة و على الصعيد الدولي أيضا. فنرجو أن تفتح هذه التظاهرة آفاقا جديدة تسمح لشبابنا الخروج من اليأس و الركود الثقافيّ و تمكّنه من الرقيّ و التقدّم.

بقلم د. محمد الناصر بن عرب / رئيس جمعية باب الديوان

قد يعجبك ايضا