بقلم جيهان مقني : مدينة صفاقس انموذج للاقتصاد المبني على روح المبادرة وثقافة المؤسسة

جيهان مقني
جيهان مقني

حين تتميز بعض الجهات أو المدن بحركية اقتصادية بارزة فإنه من المؤكد أن هذه الحركية مرتبطة إما بموارد طبيعية أو اجتماعية- ثقافية أو مرتبطة بعمق نسيج وحدتها الاقتصادية. وقد وقع الاهتمام بهذه المناطق ودخلت في دائرة أبحاث وميادين علمية كثيرة، نذكر منها أبحاث الأستاذة رياض الزغل بصفة خاصة، ليتم توصيف هذه المدن بالمدن النشيطة التي تلعب دور القاطرة الاقتصادية في منطقتها، تعكس بدورها الدينامكية الاقتصادية الموجودة بها.
والطريقة التي يعتمدها الأفراد بينهم لخلق نسيج صناعي محلي يتسم بالتكامل و التناسق في كامل المنظومة الاقتصادية والذي يعتبر المحرك الأساسي لهذه الحركية المحلية التي تحكمها قواعد ثقافة المؤسسة والمغامرة الفردية والمرتكزة بالأساس على حب العمل وروح المبادرة.
فسواء كان الأمر يتمثّل في ترجمة القيم الاجتماعية والثقافية إلى مشاريع اقتصادية ومؤسسات صناعية أو في إدماج كل وحدة اقتصادية داخل شبكة متناسقة من الوحدات المتوازنة أو المتكاملة فإنه في كل الحالات يكون هناك تظافر للطاقات وتجاوب من شأنهما أن يزيدا في دعم فرص الاستثمار ومجالات التعاون بين الأفراد.
وانطلاقا من هذا الإطار نعتبر مدينة صفاقس مركز حركية اقتصادية نشيط منذ العصر الروماني ومرورا بالتاريخ العربي الإسلامي شملت الفلاحة والتجارة والصيد البحري وكان لها منذ نشأتها إلى يومنا هذا ارتباط وثيق مع مدن بلدان حوض البحر المتوسط.

فماهي خصائص وأبعاد هذه الحركة الاقتصادية بصفاقس، وماهي مراحل تطورها لتنحت من الباعث الصفاقسي ملامح خاصة به؟
ارتكز اقتصاد صفاقس عبر تاريخها على قطاعات مختلفة في شتى أشكالها واعتمدت في ذلك على طاقتها الذاتية
وادخار المال والاستثمار والاستباق والمخاطرة، كما اختار الفرد الصفاقسي سياسة التنقل، والبحث بين المراكز التجارية ومواطن الإنتاج. ومن هنا ظهرت بوادر الانطلاقة الاقتصادية الحديثة لمدينة صفاقس بداية من القرن السابع عشر و شيئا فشيئا نشطت هذه المدينة ونمت إلى أن أصبحت مدينة جذابة ومشعة اقتصاديا بماضيها وحاضرها ولتستقطب المستثمرين والصناعيين في عديد المجالات.
إن حركة صفاقس الاقتصادية في الوقت الحاضر لها أسبابها وخصائصها، ومنها لا شك، الخصائص المتعلقة بقيمة العمل والثقافة الاقتصادية. هذه عوامل أساسية لفهم هذه الحركية التاريخية المتميزة وأسباب نجاحها.
كما تعتبر هذه الخصائص القاعدة الأساسية لجاذبية المدينة وازدهارها ويعود ذلك إلى تمكّنها من نحت ذاكرة جماعية ورواسب اجتماعية تم تدوين الكثير منها في شكل أقوال شعبية نذكر منها ” إلّي ما يشقى ما يلقى” والتي أصبحت اليوم تمثل جزءا من رصيد الثقافة المؤسسة بالمدينة وقيمها. بحيث يمكن القول أن هذه الخصوصيات تلعب دور الإطار والمرجع التي يستمد منها الفرد سلوكه في العمل في المجال الاقتصادي، خاصة وأنها في تصوّره تتضمن ذلك الإجماع الذي ينظم الحياة الاجتماعية والاقتصادية في محيطه.
ومن القيم التي تحظى بهذا التوافق والانتشار نذكر الطموح والتحدي وإرادة النجاح والتضحية والعمل الجدي والنشاط وكذلك الحذر في السنوات الأولى، إلى جانب مشاركة العمال في انجاز الشغل واحترام نمط من الأخلاقيات الخاصة بتعاطي النشاط الاقتصادي، كالوفاء بالالتزامات، وضمان جودة المتوج. وتحمل هذه القيم في جوهرها كل الشروط المرتبطة بتحقيق نشاط اقتصادي والتي تعتبر مثل عليا لتحقيق علاقات مهنية ناجحة. وبهذا يمكننا القول أن مدينة صفاقس تختص بهذه القيم التي تحمل مدلولا ومحتوى أثر مع الزمن على المجتمع الصفاقسي، وعلى توجيه سلوكه. ومن أهم المعاني المولّدة لهذه القيم ولهذا الرصيد الثقافي، نذكر بدرجة أولى العمل كقيمة، إذ يعتبر العمل في صفاقس قيمة ثابتة الايجابية ضد الفقر والعوز وضمان الأمان، وكذلك مصدرا للمتعة حتى و إن كان مرفوقا بالتعب والشقاء. وبدرجة ثانية المهنة كقيمة أيضا، بمعنى أن كل مهنة تستحق التقدير مهما كانت ملوثة أو متواضعة وأنه لا يوجد اختلاف في قيمة المهن ما دامت كلها مصدر للثروة.

وتمثل كل هذه القيم في مجملها علوية العمل للحساب الخاص مقارنة بالعمل مقابل أجر وهي تلبّي دوافع مادية تضمن الثراء والرفاه بالإضافة و اعتبارات معنوية تحقق الكرامة والتمتع بالحرية. هذا وتمتاز مدينة صفاقس أيضا بعدة مواقف وسلوكيات صنعت منها هذا القطب الصناعي ونذكر بالأساس، تراكم الخبرة عبر العصور، ووجود العديد من الخصال مثل تقاليد عريقة في الصناعات اليدوية والمهن وتقاليد تجارية ضاربة في القدم. إنه موروث من المهارات ومعرفة بأمور الاقتصاد ومبادرات تجارية .
إن الصورة المرسومة لمدينة صفاقس ترتكز على جلّ هذه الخصائص التي تتكون من خلالها ملامح الباعث الاقتصادي الصفا قسي، والتي سنحاول ذكر البعض منها، بالاعتماد على عدة دراسات علمية وميدانية أجريت في إطار أبحاث سوسيولوجية.

يعرف سكان مدينة صفاقس بطموحهم وحزمهم في العمل ونشاطهم وجرأتهم ومبادرتهم التي صنعت منهم-عامة- أشخاصا ناجحين ومثابرين، قادرين على بلوغ أهدافهم، وتحقيق العديد من الانجازات. حتى العمال في صفاقس عرفوا بانضباطهم ونشاطهم وإتقانهم للعمل. وفي هذا السياق لا يعتبر الباعث الصفاقسي عملية بعث مشروع والانتصاب للحساب الخاص مجرد طريقة لكسب قوته، بل يعتبرها انجازا ”وطنيا” يهدف للحد من التوريد والحد من هدر العملة الصعبة، في محاولة منه لتحقيق الاستقلالية الاقتصادية إزاء الدول المتقدمة والمسيطرة، و تدعيم التنافسية الوطنية. فيظهر الباعث الصفاقسي بذلك ”فاتحا” لطريق التصنيع وهو ما يعطي قيمة إضافية لدوره كفاعل اقتصادي، لا يكتفي بتوفير الإمكانيات على المستوى الوطني فقط، بل يساهم كذلك في حل مشكلة البطالة وتحسين ظروف عيش الطبقة الشغيلة.
ونذكر هنا أن الصناعيين في صفاقس يعتمدون في عملهم على شبكة علاقات واسعة، فهم ينتقلون داخل البلاد وخارجها لدراسة الأسواق وإستثارة الحاجات وبيع منتوجاتهم والتعريف بمؤسساتهم. حتى أن هذه الممارسات تؤثر على الوافدين إليها من الهجرة الداخلية لتصبح قاسما مشتركا بين هؤلاء والسكان الأصليين للمدينة تترك أثرها الجلي على كل من عاش بهذه المدينة وتصبح مصدر فخر له. إن لصفاقس قيمة رمزية يعبر عنها كل باعث اقتصادي سواء عندما يتحدث عن مسيرته المهنية أو عندما يتحدث عن الوسط الذي يشتغل به.ومن الواضح أن صفات الكفاءة والنجاعة داخل المؤسسة الصناعية نابع من عدة دوافع قوية تحث الفرد في صفاقس على بعث وتركيز مؤسسته ونذكر أن من أبرزها:
من ناحية أولى، الطموح الشخصي الذي تغذيه عدة رغبات وتطلعات منها تحسين الدخل وتحقيق الذات، بمعنى إظهار القدرة على الإبداع وتنويع النشاطات والكشف عن الحاجيات المحلية والاستجابة لها بصنع منتوجات توافقها، وغالبا ما يكون هذا الطموح ردا قاطعا ورفضا مطلق للسلبية وللركود الموجود بالوظيفة العمومية.
ومن ناحية ثانية التمسك والحرص على مواصلة وتوسيع نشاط بدأه الأب والذي يوجهه نحو هذا المسلك هو التردد على الشغل منذ الطفولة، وما ينتج عنه من رغبة في تقليد الأب ثم الشعور بمسؤولية حماية ممتلكات الأسرة، فيحذو حذو أبيه ويقتحم الميدان الخاص بعد اكتساب المعرفة الميدانية وحسن التصرف لتطوير المشروع.
ومن هنا نتبين أن الدوافع الذاتية للمبادرة وبعث المؤسسات تتغذى – في التجربة الصفاقسية – من أرضية عائلية تاريخية ومهنية تمتاز بالتحدي ونبذ الفشل والروتين. وزيادة على كل هذه العوامل يقوم الباعث الصفاقسي بانتهاج سياسة مشتركة في التصرف وضبط خطوط عامة يحدد من خلالها التوجهات والخيارات الأساسية:
فعلى مستوى الاستراتيجيات و السياسة العامة تكون القاعدة الأولى هي البداية بشكل متواضع مع التقدم بخطى ثابتة والاكتفاء بالربح القليل في البداية والتفكير في الاستثمار للمستقبل، هذا بالإضافة إلى تنويع النشاطات والاعتماد على تعدد المتوجات مع الحفاظ على الاستقلالية وعدم الارتباط بحريف واحد أو بمزود واحد.
أما على مستوى البحث عن الأفكار فان سلوك الباعث الصفاقسي يكون عادة متجها نحو سياسة التفتّح خاصة على أوروبا، مع الاقتراب أكثر ما يمكن من الحريف والاستجابة لحاجته بطريقة متناغمة مع الطلب، عوضا عن تقليد المنتوج الأجنبي بطريقة آلية، ودون إدخال تحسينات متعلقة بطريقة الاستعمال .
فيما يخص المستوى التكنولوجي فإن الباعث الصفاقسي يعتمد في منظومة الإنتاج على مبادئ معينة تنطلق من قدرته العالية على التمكّن من تقنيات الإنتاج، فهو يبذل مجهودا كبيرا للتعلّم والتكوين بوسائل مختلفة، ثم القيام بإدخال تغييرات من شأنها أن تحسن الأداء وتطوّر المعدات الموجودة، في محاولة مستمرة منه لدفع حدود إمكانياته التكنولوجية إلى أبعد مدى.
بالنسبة لإدارة الموارد البشرية فالمبدأ الأساسي هو انتقاء الشخص الذي يملك القدرة على التعلّم واكتساب الخبرة، مهما كان مستوى شهاداته العلمية، ويضمن أيضا الولاء والإنتاج مما يمكنه بعد فترة حتّى من مشاركة صاحب المؤسسة في الأرباح.
لا يمكن تفسير الحركية الاقتصادية بمدينة صفاقس إلاّ بالرجوع إلى العمق التاريخي والثقافي الذي توارثته الأجيال في فكرها وسلوكها وتصوراتها بخصوص تثمين النشاط الاقتصادي واستغلال الموارد الذاتية من ذكاء وفطنة وحس مرهف بطبيعة السوق وقابليته، والتفتح أكثر على الأسواق الخارجية.
فالتمكن من المهنة ورفض الركود والبحث عن الاستقلالية كلها خصائص تجعل من الباعث الصفاقسي شخصا له ملامح خاصة به وتجعل من المدينة قطبا متميزا بنسيجها الصناعي والعمراني الذي يحمل في طياته ديناميكية اقتصادية تقوم في ذات الوقت على التضامن والتنافس. وإذا أردنا أن نربط الماضي بالحاضر ألا تبدو فضاءات التجارة التقليدية في الأسواق القديمة والقسريات والفنادق والغرف داخل المدينة العتيقة خير مثال على هذا الزخم الاقتصادي والجذور التجارية للباعث الصفاقسي؟ ومن هنا ألا تتأكد ضرورة المحافظة على هذه المعالم العريقة ذات البعد الرمزي للفرد الصفاقسي وللمدينة بشكل عام.

بقلم جيهان مقني

قد يعجبك ايضا