لِنُعِد الحياة إلى وسط مدينة صفاقس

صفاقس - بائعو الورد - شارع الهادي شاكر - بلدية صفاقس

كان وسط مدينة صفاقس، لعقود طويلة، القلب النابض للمدينة ولمنطقتها بأكملها. بأسواقه وشوارعه التجارية وأزقته ومعالمه المعمارية، كان فضاءً للقاء والتجارة والحركة، ومركز إشعاع يتجاوز حدود صفاقس.

اليوم، تغير المشهد. فقد الوسط التجاري جزءاً كبيراً من جاذبيته، وتراجعت حركته، وأصبحت بعض شوارعه وفضاءاته تعاني من الإهمال والركود. ولم يعد هذا التراجع مجرد نتيجة للتوسع العمراني أو تغير العادات، بل يعكس أيضاً غياب رؤية متكاملة لمستقبل المركز التاريخي وضعف العناية بوظائفه الحضرية.

ومع ذلك، تمتلك صفاقس كل المقومات التي تسمح لها باستعادة هذا الدور. فمن باب الديوان إلى باب القصبة، ومن حديقة الحرية إلى قصر البلدية، مروراً بالسوق المركزية وساحة المعرض وساحة المائة متر وشط القراقنة، توجد فضاءات ذات قيمة تاريخية وعمرانية يمكن أن تتحول إلى محركات حقيقية لحياة المدينة.

لكن إحياء هذه الأماكن لا يكون بمجرد ترميم المباني أو تجميل الساحات. فالتراث الذي لا يحتضن حياة ونشاطاً يتحول إلى ذاكرة صامتة. المطلوب هو إعادة توظيف هذه الفضاءات وربطها بحاجيات السكان وتطلعات الأجيال الجديدة.

وتبدأ هذه المصالحة بمعالجة أبسط متطلبات الحياة اليومية: النظافة، والإنارة، وصيانة الأرصفة، والأمن، والمساحات المظللة. كما تقتضي تنظيم حركة المرور والحد من الوقوف العشوائي، وإحداث مآوٍ للسيارات في محيط المركز وربطها بوسائل نقل منتظمة، مع التدرج في تخصيص شوارع وفضاءات للمترجلين.

ولا تقل الثقافة والترفيه أهمية عن التهيئة العمرانية. فتنظيم المعارض والعروض الفنية والأسواق الليلية والتظاهرات الدورية يمكن أن يعيد الحركة إلى فضاءات مثل ساحة ماربورغ وساحة المائة متر وشط القراقنة.

كما يمكن للمسرح البلدي أن يلعب دوراً أوسع من خلال برمجة عروض سينمائية منتظمة إلى جانب أنشطته الثقافية، بما يجعل وسط المدينة وجهة للعائلات والشباب، ومكاناً للقاء وقضاء الأمسيات، لا مجرد فضاء للتسوق أو قضاء الشؤون الإدارية.

غير أن مدينة تنشط خلال ساعات العمل فقط تظل مدينة ناقصة الحيوية. لذلك يجب تشجيع السكن وإعادة توظيف المباني القديمة، واحتضان ورشات الحرفيين والمكاتب والأنشطة الثقافية والفضاءات الشبابية، حتى يستعيد وسط المدينة تنوعه وحضوره طوال اليوم.

إن تحقيق هذه الرؤية يتطلب مشروعاً واضحاً يجمع البلدية والسلطات الجهوية والجامعة والتجار والمستثمرين والجمعيات والمجتمع المدني، ضمن خطة عمل تحدد الأولويات والمسؤوليات والتمويل والآجال. فلا يمكن مواصلة الاكتفاء بالمبادرات المتفرقة أو الدراسات التي لا تتحول إلى إنجازات ملموسة.

إن إعادة الاعتبار لوسط صفاقس ليست مجرد عملية تجميل عمراني، بل هي رهان اقتصادي واجتماعي وثقافي. فالمركز الحيوي يدعم التجارة والاستثمار، ويوفر فضاءات للقاء، ويعزز جاذبية المدينة وقدرتها على الاحتفاظ بشبابها وكفاءاتها.

صفاقس لا تحتاج إلى الحنين إلى ماضيها بقدر ما تحتاج إلى مشروع يستثمر تاريخها لبناء مستقبلها. مشروع يعيد إلى شوارعها الحركة، وإلى ساحاتها دورها، وإلى سكانها متعة الانتماء إلى مدينتهم.

فالمدينة لا تموت عندما تشيخ مبانيها، بل تبدأ في الموت عندما يفقد سكانها الرغبة في العودة إلى شوارعها والإيمان بمستقبلها.

حاسم كمون

قد يعجبك ايضا