المرقة الصفاقسية في قلب البحث الأكاديمي: من المطبخ المحلي إلى السياحة المستدامة
تُعدّ هذه المساهمة العلمية ثمرة عمل مشترك لكلّ من منال الحكيم المصمودي ومريم داود معلى، وهما أستاذتان مساعدتان وباحثتان في مجال التسويق بكلّ من المعهد العالي للدراسات التجارية بصفاقس وكلية العلوم الاقتصادية والتصرف بصفاقس، وتنتميان إلى مخبر البحث في التسويق LRM، في إطار جامعة صفاقس. وقد قدّمتا فصلًا علميًا معمّقًا بعنوان “Pataclet and the Sfaxian Marka: Bridging Culinary Identity and Sustainable Tourism Through Academic and Practical Insights”، نُشر ضمن كتاب “Sustainable Seafood Tourism Experiences” عن دار النشر العالمية Routledge التابعة لمجموعة Taylor & Francis، إحدى أبرز المنصّات الدولية لنشر البحوث الأكاديمية.
يندرج هذا العمل ضمن الاهتمام المتزايد بالسياحة المستدامة والتراث الثقافي غير المادي، حيث تسعى الباحثتان إلى إبراز الدور الذي يمكن أن يلعبه التراث الغذائي في تعزيز جاذبية الوجهات السياحية. ومن خلال هذا الفصل الذي يمتد على 23 صفحة، يتم تناول المطبخ الصفاقسي ليس فقط باعتباره موروثًا تقليديًا، بل كأداة تحليلية لفهم العلاقة بين الهوية المحلية والتنمية السياحية، مع التركيز على الممارسات الغذائية باعتبارها أحد أبرز تجليات الانتماء المحلي.
وفي قلب هذا العمل، تحتلّ “المرقة الصفاقسية” مكانة محورية، إذ تُقدَّم بوصفها أكثر من مجرد طبق تقليدي، بل كذاكرة حيّة تختزل تاريخًا من العادات والتقاليد المتوارثة. هذا الطبق، الذي يُحضَّر غالبًا باستخدام سمك “الصبارص”، يعكس ارتباطًا وثيقًا بين الإنسان وبيئته البحرية، ويجسد مهارات الطهي التي تناقلتها الأجيال داخل العائلات الصفاقسية، خاصة في الطقوس الأسبوعية التي تعزز الروابط الاجتماعية وتمنح للغذاء بعدًا رمزيًا يتجاوز وظيفته الأساسية. وقد تغنّى به الفنان الصفاقسي محمد الجموسي قائلاً:
“يا قادم لينا ما تفارق تونسنا البيّة إلّا ما تجينا .. يلّا ! إلّا ما تجينا .. تفضل ! إلّا ما تجينا و تذوق مريقة صفاقسية عطاك الله .”
كما يبرز البحث كيف يمكن لمثل هذه الأطباق أن تتحول إلى عنصر جذب سياحي، من خلال تقديم تجربة أصيلة للزائر، تقوم على التذوق والاكتشاف والانغماس في الثقافة المحلية. فالمرقة الصفاقسية، بما تحمله من رمزية ونكهة مميزة، تصبح وسيلة للتعريف بالجهة، وعنصرًا يساهم في تمييزها ضمن خريطة السياحة الغذائية، خاصة في ظل تزايد اهتمام السياح بالتجارب المرتبطة بالهوية والتراث.
ولا يقتصر هذا العمل على التشخيص والتحليل، بل يتجاوز ذلك ليقترح رؤية متكاملة تقوم على مقاربة تجمع بين الأبعاد الثقافية والاجتماعية والتجريبية، بهدف تثمين هذا التراث وضمان استمراريته. وتؤكد الباحثتان أن الحفاظ على التراث الغذائي لا يعني تجميده، بل يتطلب إعادة توظيفه في سياقات معاصرة تضمن حيويته، مع احترام خصوصيته وأصالته.
في النهاية، يعكس هذا العمل الأكاديمي اهتمامًا حقيقيًا بتراث صفاقس الغذائي، ويترجم رغبة في الارتقاء به من نطاقه المحلي إلى آفاق أوسع، حيث يمكن أن يصبح رافدًا من روافد التنمية المستدامة. فالمرقة الصفاقسية، التي طالما كانت حاضرة في البيوت والذاكرة، تجد اليوم مكانها في الأدبيات العلمية، لتؤكد أن ما نحمله من عادات وتقاليد قد يكون مفتاحًا لفهم أعمق لهويتنا، وأداة لبناء مستقبل أكثر ارتباطًا بجذورنا.